‏إظهار الرسائل ذات التسميات بواسطة قلب ام. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات بواسطة قلب ام. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 1 يونيو 2011

سورة المطففين

تفسير(سورة المطففين)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وَيْلٌۭ لِّلْمُطَفِّفِينَ ﴿١﴾ ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُوا۟ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ﴿٢﴾ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ﴿٣﴾ أَلَا يَظُنُّ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ ﴿٤﴾ لِيَوْمٍ عَظِيمٍۢ ﴿٥﴾ يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿٦﴾كَلَّآ إِنَّ كِتَـٰبَ ٱلْفُجَّارِ لَفِى سِجِّينٍۢ ﴿٧﴾ وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا سِجِّينٌۭ ﴿٨﴾ كِتَـٰبٌۭ مَّرْقُومٌۭ ﴿٩﴾ وَيْلٌۭ يَوْمَئِذٍۢ لِّلْمُكَذِّبِينَ ﴿١٠﴾ ٱلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ ﴿١١﴾ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِۦٓ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ﴿١٢﴾ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءَايَـٰتُنَا قَالَ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ﴿١٣﴾ كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ﴿١٤﴾ كَلَّآ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍۢ لَّمَحْجُوبُونَ ﴿١٥﴾ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا۟ ٱلْجَحِيمِ ﴿١٦﴾ ثُمَّ يُقَالُ هَـٰذَا ٱلَّذِى كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ﴿١٧﴾ كَلَّآ إِنَّ كِتَـٰبَ ٱلْأَبْرَارِ لَفِى عِلِّيِّينَ ﴿١٨﴾ وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا عِلِّيُّونَ ﴿١٩﴾ كِتَـٰبٌۭ مَّرْقُومٌۭ ﴿٢٠﴾ يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ ﴿٢١﴾ إِنَّ ٱلْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ ﴿٢٢﴾ عَلَى ٱلْأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ ﴿٢٣﴾ تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ ﴿٢٤﴾ يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍۢ مَّخْتُومٍ ﴿٢٥﴾ خِتَـٰمُهُۥ مِسْكٌۭ ۚ وَفِى ذَ‌ٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَـٰفِسُونَ ﴿٢٦﴾ وَمِزَاجُهُۥ مِن تَسْنِيمٍ ﴿٢٧﴾ عَيْنًۭا يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ ﴿٢٨﴾ إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُوا۟ كَانُوا۟ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يَضْحَكُونَ ﴿٢٩﴾ وَإِذَا مَرُّوا۟ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ ﴿٣٠﴾ وَإِذَا ٱنقَلَبُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُوا۟ فَكِهِينَ ﴿٣١﴾ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوٓا۟ إِنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ لَضَآلُّونَ ﴿٣٢﴾ وَمَآ أُرْسِلُوا۟ عَلَيْهِمْ حَـٰفِظِينَ ﴿٣٣﴾ فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ﴿٣٤﴾عَلَى ٱلْأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ ﴿٣٥﴾ هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ ﴿٣٦﴾


((وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ)).
هلاك وخسار، وعذاب ودمار، لمن غش في المكيال والميزان بالزيادة إذا اكتال والنقص إذا كال.
((
الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ
)).
الذين إذا طلبوا حقوقهم من غيرهم أخذوها وافية كاملة؛ سواء في الميزان أو المكيال أو سائر الأحكام والأموال كافة.
((
وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ
)).
وإذا كالوا لغيرهم، أو وزنوا لهم نقصوا حقوقهم، وبخسوا حظوظهم، فهم يستوفون حقوقهم وينقصون حقوق الناس.
((
أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ
)).
ألا يفكر هؤلاء المطففون أنهم سوف يبعثون بعد موتهم فيحاسبون على أعمالهم، ويجازون على تطفيفهم.
((
لِيَوْمٍ عَظِيمٍ
)).
سوف يبعثون في يوم عظيم خطره، رهيب بأسه، مهول مشهده، فاق الأيام لعظائم ما يجري فيه من أهوال وأخطار.
((
يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ
)).
هذا اليوم يقوم الناس فيه من قبورهم إلى الموقف ليحاسبوا، فيجتمعون فيه لفصل القضاء ونيل الجزاء، فسعداء وأشقياء.
((
كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ
)).
ألا إن كتاب الكفار الفجار في سجل أهل النار، وأسماءهم في كتاب الهالكين من أصحاب الجحيم، ضبطت وسجلت.
((
وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ
)).
وما أعلمك بهذا الكتاب الذي هو سجل أسماء أهل النار؟
فهو كتاب محفوظ أحصيت فيه الأسماء بلا زيادة ولا نقص.
((
كِتَابٌ مَرْقُومٌ
)).هذا الكتاب مسطور بأسماء الكفار، علمت الأسماء بالحروف، وضبطت في متنه، فهو سجل الأشرار وكتاب أهل النار.
((
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
)).لعنة وخسار وهلاك وبوار؛ لأهل النار الذين كذبوا بالكتاب، ونسوا الحساب، فاستحقوا العذاب، واستوجبوا العقاب.
((
الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ
)).هؤلاء يكذبون بيوم الجزاء، ويجحدونه وينكرون البعث والنشور، فلا جنة عندهم ولا نار، ولا موقف بين يدي الجبار.
((
وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ
)).
وما يكذب بيوم القيامة إلا من تجاوز الحدود، ونقض العهود، وكفر بالمعبود، قد أكثر من الآثام، وبالغ في الإجرام، وأسرف في الحرام.
((
إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ
)).
إذا قرئت على هذا الفاجر آيات القرآن قال مستهزئاً : هذه حكايات الأولين، وخرافات السابقين، وأباطيل القصاص المحرفين.
((
كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ
)).
كلا والله، ليس أساطير الأولين، بل غطى على قلوبهم حجاب التكذيب، وغين المعصية، وران الذنب، فعميت عن الحق.
((
كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ
)).كلا والله، إن هؤلاء الكفار ممنوعون من رؤية ربهم، لا ينظرون إليه كما ينظر المؤمنون؛ نكالاً بهم وإهانة لهم.
((
ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ
)).
ثم إن الكفار يصلون النار، تشوى منهم الوجوه، وتحرق الجلود، وتدخل على الأفئدة؛ لسوء فعلهم وقبح عملهم.
((
ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ
)).ثم تقول لهم خزنة جهنم: هذا العذاب الذي كنتم به تكذبون فذوقوه مهانين، واصلوه خالدين.
((
كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ
)).ألا إن كتاب الأبرار الصادقين المخلصين لمضبوط في سجل الأخيار، وفي ديوان الأبرار في علو احتراماً وتكريماً.
((
وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ
)).وماذا يعلمك عن كتاب عليين؟
إنه والله عال في مكانه، مرتفع في مرتبته؛ لشرف ما فيه من أسماء.
((
كِتَابٌ مَرْقُومٌ
)).إنه كتاب مكتوب بأحرف من نور، ومسطور بإذن العزيز الغفور، بين فيه كتابة الأسماء، معلم بعلامات ظاهرة لأهل البر والإحسان.
((
يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ
)).يحضر هذا الكتاب العظيم ملأ كريم من الملائكة المقربين الذين أعلى منزلتهم، فهم يشهدون على ما في كتاب الأبرار.
((
إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ
)).
إن المؤمنين الطائعين لفي نعيم مقيم، ومقعد صدق كريم، مع خلود دائم، وقرة عين، وبهجة نفس فوق وصف الواصفين.
((
عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ
)).
وهم على الأسرة الوثيرة المريحة ينظرون إلى ما أكرمهم الله به من مناظر بهية، ومنها نظر بعضهم إلى بعض لزيادة السرور.
((
تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ
)).تعرف في وجه هؤلاء الأبرار بهجة النعيم، وبهاء التكريم، وبريق السرور، ورونق الحسن ونور الجمال، وحسن المظهر.
((
يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ
)).يشرب هؤلاء الأبرار من شراب خالص لا خلط فيه ولا غش، وهو خمر لا سكر فيه ولا صداع، ختم فلا يفتحه إلا صاحبه، لم تلوثه الأيادي.
((
خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ
)).
غطاء الكأس يفوح منه عبير المسك، وأريجه يفعم النفس، وفي مثل هذا النعيم يتبارى المتسابقون في ميدان الطاعة، وفي سبيل هذا النعيم والتكريم فليتسابق المجتهدون في الخير لينالوه.
((
وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ
)).ويخلط هذا الشراب بماء عذب زلال من عين صافية، تصب فيه من مكان عالٍ مرتفع، ليعظم مشهد انصباب الماء.
((
عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ
)).
وهذه العين الصافية العذبة هي (التسنيم) التي يشرب منها الأبرار كرامةً لهم واحتفاءً بهم؛ جزاء عملهم الصالح الحسن.
((
إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ
)).
إن الذين كفروا كانوا يستهزئون بالمؤمنين في الدنيا، ويضحكون من تصرفاتهم لما في نفوس الكفار من الاستكبار.
((
وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ
)).
وإذا مر المؤمنون بالكافرين تغامزوا بعيونهم استهزاء بهم وسخرية منهم، فكان الأغنياء يسخرون من فقراء المؤمنين.
((
وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ
)).
وإذا عاد الكفار إلى منازلهم عادوا متلذذين باستهزائهم بالمؤمنين فرحين بسخريتهم من أهل الإسلام عتواً وكبراً.
((
وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ
)).
وإذا شاهد الكفار المؤمنين قالوا: لقد ضل هؤلاء وأخطؤوا الطريق وتركوا دينهم ولم يهتدوا إلى الحق.
((
وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ
)).
وليس الكفار وكلاء على المؤمنين، رقباء على تصرفاتهم، رعاةً لأعمالهم، فليس لهم حق في الدخول في شؤونهم.
((
فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ
)).ففي يوم الحساب ينقلب الحال، يضحك المؤمنون من الكفار حينما يشاهدونهم صاغرين حقاراً أذلاء ممقوتين.
((
عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ
)).
على الأسرة الوثيرة المريحة ينظرون من منازلهم العالية وقصورهم الرفيعة إلى الكفار في النار يعذبون.
((
هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ
)).أما كوفئ الكفار على ما فعلوه في هذه الدار، من السخرية والاستكبار، أما عوقبوا، أما أهينوا، أما صاروا أذلاء بعد العتو، حقاراً بعد الكبر، بلى؛ لسوء أعمالهم في الدنيا.


سورة البروج

تفسير(سورة البروج)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ ﴿١﴾ وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ ﴿٢﴾ وَشَاهِدٍۢ وَمَشْهُودٍۢ ﴿٣﴾ قُتِلَ أَصْحَـٰبُ ٱلْأُخْدُودِ ﴿٤﴾ ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ ﴿٥﴾ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌۭ ﴿٦﴾ وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌۭ ﴿٧﴾ وَمَا نَقَمُوا۟ مِنْهُمْ إِلَّآ أَن يُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ ﴿٨﴾ ٱلَّذِى لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَ‌ٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ شَهِيدٌ ﴿٩﴾ إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُوا۟ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا۟ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ ﴿١٠﴾ إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُمْ جَنَّـٰتٌۭ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ۚ ذَ‌ٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ ﴿١١﴾ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴿١٢﴾ إِنَّهُۥ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ ﴿١٣﴾ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ ﴿١٤﴾ ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ ﴿١٥﴾ فَعَّالٌۭ لِّمَا يُرِيدُ ﴿١٦﴾ هَلْ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ ﴿١٧﴾ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ﴿١٨﴾ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فِى تَكْذِيبٍۢ ﴿١٩﴾ وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِم مُّحِيطٌۢ ﴿٢٠﴾ بَلْ هُوَ قُرْءَانٌۭ مَّجِيدٌۭ ﴿٢١﴾ فِى لَوْحٍۢ مَّحْفُوظٍۭ ﴿٢٢﴾




((وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ)).
أقسم قسما بالسماء ذات المنازل للكواكب، التي تنزلها الكواكب الاثنا عشر منزلاً منزلاً، وبرجاً برجاً بحساب وإتقان وحكمة.
((
وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ
)).
وأقسم قسما باليوم الذي جعله الله موعداً للعالم لفصل القضاء، فلا يخلف فيه وعده، بل هو واقع لا محالة، كائن لا شك في وقت معين وأجل مسمى.
((
وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ
)).
وأقسم بكل شاهد في ذاك اليوم وحاضر ومعاين لغيره، وكل مشهود عليه بأعماله التي عملها، فالرسل والأمم شاهد ومشهود، ولكل حكم وقضية ش
هود
وخصوم، والحاكم هو الله وحده.
((
قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ
)).
لعن وعذب أصحاب الأخدود في
نجران
الذين حفروا شقاً في الأرض، ثم ملؤوه ناراً وأقحموا فيه المؤمنين.
((
النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ
)).حيث أشعلوا ناراً عظيمة لها وقود ولهيب تأكل من وقع فيها، أشعلها الكفار للأبرار.
((
إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ
)).
والكفار قعدوا على حافة النار يشاهدون عذاب الأخيار، ليتشفوا بمشهد التعذيب شأن الجبابرة.
((
وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ
)).وهؤلاء الكفار ينظرون إلى المؤمنين يعذبون ويبصرون النار تشويهم، وقد جلسوا يتفرجون متلذذين بعذاب الصالحين.
((
وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ
)).
وما عابوا عليهم إلا الإيمان بالله، فليس للمؤمنين ذنب عندهم إلا طاعتهم لربهم وإلا فما آذوهم وما ظلموهم.
((
الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
)).
والله المعبود له ملك السموات والأرض خلقاً وتدبيراً وتصريفاً، وهو شاهد على كل شيء، عالم بكل أمر، مطلع على كل فعل، محيط بما دق وجل.
((
إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ
)).إن الذين آذوا المؤمنين بالإحراق، وصدوهم عن دينهم، وابتلوهم في عقيدتهم، واستمروا على الكفر والأذى، ولم يتوبوا من الفعل الشنيع والأذى الفظيع، فسوف يحرقهم الله بنار الآخرة التي لا تبقي ولا تذر، خالدين فيها أبداً.
((
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ
)).
إن الذين آمنوا بالله وعملوا الصالحات فجزاؤهم الجنات في خلود مقيم، ونعيم عظيم في جوار ملك كريم، وهذا هو الظفر بالمطلوب، والفوز بالمرغوب، وإدراك كل محبوب، بفضل علام الغيوب.
((
إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ
)).
إن عذاب ربك عنيف لا يطاق، وان أخذه شديد لا يقاوم، إذا أخذ أهلك، وإذا بطش دمر، يقصم الجبابرة، ويمحق العتاة، ويبيد الطغاة.
((
إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ
)).
إنه سبحانه ينشئ الخلق في البدء، ويعيدهم في النهاية، يخلقهم من العدم، ويبعثهم وهم رمم، أمات وأحيا، وأنشأ وسوى، وخلق وهدى.
((
وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ
)).كثير الغفران لأهل الذنوب والعصيان، وواسع الحلم والتودد لكل تائب ندمان، للمقصر يغفر، وللمقبل متودد.
((
ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ
)).خلق العرش العظيم واستوى عليه، وهو عظيم الذات جميل الصفات، حسن الأفعال له العظمة والجلال.
((
فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ
)).
يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، ولا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، نفذت قدرته، وبهرت حكمته.
((
هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ
)).
هل نعلمك -أيها النبي- خبر الأقوام الطغاة الطغام؛ الذين حاربوا الرسل الكرام، وأكثروا في الأرض من الآثام، واغتروا بإقبال الأيام.
((
فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ
)).
هم جنود
فرعون
العنيد، وجيش هذا الطاغية الرعديد، وقوم ثمود، الذين تجاوزوا الحدود، فكلهم بلغ غاية في الفساد، ووصل نهاية الإلحاد، وأمعن في العناد.
((
بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ
)).بل حال هؤلاء الكفار عجيب، ونبؤهم غريب، فهم كذبوا الرسول، وأنكروا القرآن، وجحدوا الحساب، وارتكبوا الضلالة، وانحرفوا عن الهداية.
((
وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ
)).
والله محيط بهم لا يعجزونه، قادر عليهم لا يفوتونه، تحت حكمه مقهورين، وعن ملكه لا يخرجون.
((
بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ
)).
بل إن هذا القرآن شريف المكان، ظاهر البيان، مبارك عظيم، مرشد كريم؛ لأنه كلام الرحمن الرحيم.
((
فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ
)).مكتوب في لوح محفوظ من الزيادة والنقصان، مصون عن تحريف الإنسان والجان، وتنزه عن الزلل، وجل عن الخلل؛ لأنه منزل من الله عز وجل.

سورة الطارق

تفسير (سورة الطارق)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وَٱلسَّمَآءِ وَٱلطَّارِقِ ﴿١﴾ وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلطَّارِقُ ﴿٢﴾ ٱلنَّجْمُ ٱلثَّاقِبُ ﴿٣﴾ إِن كُلُّ نَفْسٍۢ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌۭ ﴿٤﴾ فَلْيَنظُرِ ٱلْإِنسَـٰنُ مِمَّ خُلِقَ ﴿٥﴾ خُلِقَ مِن مَّآءٍۢ دَافِقٍۢ ﴿٦﴾ يَخْرُجُ مِنۢ بَيْنِ ٱلصُّلْبِ وَٱلتَّرَآئِبِ ﴿٧﴾ إِنَّهُۥ عَلَىٰ رَجْعِهِۦ لَقَادِرٌۭ ﴿٨﴾ يَوْمَ تُبْلَى ٱلسَّرَآئِرُ ﴿٩﴾ فَمَا لَهُۥ مِن قُوَّةٍۢ وَلَا نَاصِرٍۢ ﴿١٠﴾ وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ ﴿١١﴾ وَٱلْأَرْضِ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ ﴿١٢﴾ إِنَّهُۥ لَقَوْلٌۭ فَصْلٌۭ ﴿١٣﴾ وَمَا هُوَ بِٱلْهَزْلِ ﴿١٤﴾ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًۭا ﴿١٥﴾ وَأَكِيدُ كَيْدًۭا ﴿١٦﴾ فَمَهِّلِ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًۢا ﴿١٧﴾

((وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ)).
أقسم قسماً بالسماء والنجم الذي يطرق العالم ليلاً، ويختفي في النهار، فكأن زائراً ليلاً يخفيه الظلام.
((وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ)).
وما يعلمك -يا محمد- ما الطارق؟
إنه نجم عظيم ثاقب النور، تام الضوء، تخترق أشعته الظلام كأنه يطرق السماء.
((النَّجْمُ الثَّاقِبُ)).
هذا النجم المضيء المتوهج، يثقب ثوب الليل بنوره، وينفذ بضوئه بين حجب الظلام.
((إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ)).
كل نفس عليها حافظ من الله، موكل بحراستها وحفظها مما يؤذيها، وإحصاء عملها، وكتابة سعيها، ومراقبة تصرفاتها.
((فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ)).فلينظر الإنسان باعتبار وتفكر من أي مادة خلقه ربه، وما أصله، وما أول هذا الخلق، إنه من ماء حقير من موضع مهين.
((خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ)).خلق من مني يصب في الرحم، فمن أصله من هذا الأصل لا ينبغي له أن يتكبر ولا يتجبر، بل يتواضع لتفاهة أصله.
((يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ)).هذا الماء المهين والمني الحقير يخرج من ظهر الرجل وصدر المرأة، يلتقي في موضع يحتشم من ذكره ليكون الإنسان.
((إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ)).إن الله على رد الإنسان حياً بعد موته للحساب لقادر، فبعد الموت حياة، وبعد البعث حساب، وبعد النشور جزاء.
((يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ)).ذاك اليوم تختبر السرائر، ويكشف عما في الضمائر، وتظهر المكنونات، وتبدو الخفيات، ويخرج ما أكنته النيات.
((فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ)).فما لجاحد اليوم الآخر وهو الكافر من قوة تحميه، ولا ناصر ينقذه مما هو فيه، فلا دافع ولا نافع ولا شافع له.
((وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ)).وأقسم قسماً بالسماء ذات الغيث الذي يرجع بخاراً من الأرض فتعيده السماء إلى الأرض مطراً هنيئاً مباركاً.
((وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ)).وأقسم قسماً بالأرض التي تتشقق بالنبات، وتتصدع لخروج جذوع الأشجار من بين طبقاتها.
((إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ)).إن هذا القران قول يفصل بين الحق والباطل، ويفرق بين الرشد والغي، ويميز بين الصلاح والفساد.
((وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ)).
وليس القرآن لهواً، ولكنه جد لا لعب فيه، وحق لا باطل معه، وهدى لا ضلال معه.
((إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا)).
إن الكفار يخفون كيدهم لمحاربة المؤمنين، ويحبكون الخطط لحرب الإسلام، فهم في تدبير الحرب الخفية.
((وَأَكِيدُ كَيْدًا)).
ويقابل الله تدبيرهم بتدبير أحكم منه وأخفى وأقوى، فيبطل كيدهم ويفل جدهم ويحبط مكرهم.
((فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا)).فانتظر -يا محمد- الكفار بعض الانتظار؛ لترى ماذا يفعل بهم القهار؟
ولا تستعجل هلاكهم، فكل ما هو آت قريب، فسوف ترى مصارعهم ونهايتهم المرة المذلة إذا حان موعد أخذهم.